أحمد فارس الشدياق
267
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
التي ذكرها أوميروس ، إذ ترى قطعا جزيلة جدّا من لحم البقر المشوي ، وشاة بأسرها على طبق ، وحيتانا ضخاما على مائدة طويلة ملآنة من القناني والأقداح والظروف ، فتجلس الضيوف ؛ وعليهم الثياب السود ، وهم رزان ساكتون متحلّمون كأنهم حول جنازة ، ووراء الزعيم رجل يقال له طوست ماستر ، وهو الذي عليه أن يفتتح الكلام ، حتى إذا ناجاه الزعيم قال بصوت جهير : أيّها الكرام إنّي عمدت إلى طوست ، ولا أشكّ أنكم تنعمون بقبوله ، فتتحرّك الجلوس من همدتهم ، ويقومون بأجمعهم كما تحرّك شيئا بآلة ، ويجيبون دعوته ، فإذا شربوا برز ثلاث جواري كاشفات عن ترائبهن من وراء حجاب ، ويأخذن في العزف بالبيانو ، ولا يزال الطوست يدور ، ويعاد إلى أن يحلّ محلّه . جهلهم بالطبخ ومن العجيب أن جيلا متقدّما في المعارف والصنائع كالإنكليز لا يعرفون أن يطبخوا اللحم بالبقول ، وإنّما يطبخون كلا منها على حدته . أمّا البقول فإنّما يسلقونها سلقا ، وهي عبارة عن اللفت والكرنب والجزر ، وشيئا آخر من هذه النباتات الريحية . وسلطان المائدة إنّما هو البطاطس إذ لا تتم آدابهم إلا بها ، وربّما اجتزأ الفلاحون بها عن كل ما عداها حتى عن الخبز ، وقد يحشون بها رقاق الخبز ويطبخونها في الفرن فتسدّ مسدّ كلّ شيء . وأهل إرلاند يتّخذون منها خبزا . أمّا اللحم فأحب شيء إليهم منه الشواء ، وهذا من وجه يصلح لمن ألف الأسفار ، لأن المسافر حيثما كان في الأرض يجد لحما ونارا ، بخلاف من سافر منّا وقد ألف ألونا شتّى من الطبيخ ، فلا يزال لهجا بهذا وذاك ، فيتنغّص عيشه ، وعلى ذلك قولي : كأني أنا والفيل صنوان فرّقا * سوى أنني ضرب « 232 » وذلك بادن
--> ( 232 ) الضرب : الخفيف اللحم ، الممشوق القوام . ( م ) .